بعد انهيار الإمراطورية العثمانية عقب الحرب العالمية الأولي، وتقسيمها لدويلات تحت الانتداب الأوروبي، تكونت أول حكومة للجمهورية التركية برئاسة مصطفى كمال أتاتورك، والذي يعتبره الأتراك مؤسس تركيا الحديثة. كان حلم أتاتورك هو جعل تركيا جزء من أوروبا، وليصبح حلمه ممكنا كان أمامه مهمة صعبة، وهي خلق مجتمع مدني علماني قريب للمجتمعات الاوروبية من المجتمع التركي المحافظ الذي عايش الخلافة والحكم الإسلاميين لقرون طويلة. وكان من أول الخطوات التي اتخذها أتاتورك في محاولته "لعصرنة" المجتمع التركي هي تحويل اللغة التركية من استخدام الأبجدية العثمانية الشبيهة بالعربية، لاستخدام الأبجدية اللاتينية، بالإضافة لاستبدال الكلمات ذات الأصل الفارسي والعربي في اللغة بكلمات تركية صرف. باتخاذه لهذه الخطوة، لم يجعل أتاتورك ظاهر الحضارة التركية غربي المظهر فقط، بل اقتلع الأتراك كليا من جذورهم القديمة وبدأ ثقافة تركية جديدة، فأصبح الجيل الذي تربي على اللغة التركية الحديثة غير قادر على التواصل مع ماضيه المدون في الكتب والنصوص القديمة، وقطع أتاتورك بهذا التغير سبل التواصل بين الجيل القديم ممن نشؤوا تحت الخلافة العثمانية والحكم الإسلامي وبين أبناء الجمهورية التركية العلمانية، محولا بذلك الثقافة التركية بشكل جذري. فاللغة هي ليست مجرد أبجدية أو وسيلة للتعبير، وهي أكثر من الظاهر الذي نراه ونسمعه، بل هي وسيلة لتسجيل وحفظ ونقل الحضارة والثقافة والدين والتاريخ، بالإضافة لكونها وسيلة تواصل وربط.
وقد كثر النقاش في يومنا هذا عن ظاهرة لم يعد يغفلها أي شخص في الوطن لعربي، وهي ضعف اللغة العربية وقلة استخدامها من قبل أبنائها، وعدم احترامها في عقر دارها. فترى الكثير من الظواهر التي يندى لها الجبين، مثل المدارس التي باتت تتخذ حصص العربية حصص فراغ لا المعلم ولا الطلاب يحترمها، والطلاب العرب من خريجي الجامعات الغير قادرين على كتابة موضوع باللغة العربية. بل هناك ما يصدم أكثر حين ترى بعض الآباء والأمهات العرب لا يحدثون أولادهم الصغار في المنزل إلا بالإنجليزية، وكأن العربية لم تعد تلزمهم أو تمثلهم! لكن ضعف اللغة هو ليس مجرد ظاهرة نناقشها في جلسات الحوار والدوائر المثقفة لنخرج بقرارات وتوصيات ومن ثمة نعود لنفس نمط الحياة القديم. إنها ظاهرة تنذر بتغير جذري في المجتمع، لأن ضعف اللغة وقلة استعمالها بين أبناءها وعلى أرضها واستبدالها بلغات أخرى يعني ضياع احترامها بين أهلها وبين الغريبين عليها، وقطع التواصل بين الماضي والحاضر، ونسيان التاريخ والرموز، وفقدان الهوية. فهل سيصبح مصير اللغة والحضارة العربيتين مثل مصير اللغة والحضارة التركية العثمانية؟.
الأعذار والحجج لهذه الظاهرة كثيرة، فهناك من يلوم العولمة والاختلاط مع الكثير من الجنسيات، مما يجعل الإنجليزية أو الفرنسية أسهل للتواصل، وهناك من يلوم صعوبة قواعد اللغة وعدم تمكنها من احتواء الألفاظ والمصطلحات الجديدة في عالم التكنولوجيا والعلوم، والكثير من الأعذار الأخرى. ولأصحاب العذر الأول أقول مهما تعددت جنسيات ولغات السكان في المدن العربية، لن تصل للتنوع الموجود في مدن مثل نيويورك وباريس وبرلين وغيرها من العواصم العالمية، لكننا لا نرى سكان برلين تخلوا عن الألمانية أو سكان باريس تخلوا عن الفرنسية كي يتمكنوا من التواصل مع مئات الجنسيات الموجودة في تلك المدن. بل دول مثل فرنسا وألمانيا وأمريكا تفرض على من يرغب بالانتقال للعمل أو الدراسة فيها أن يخضع لدورات واختبارات في اللغة الأم للدولة كي يتمكن من التواصل. وأرد على صاحب العذر الثاني، بأن الغة العربية ليست أصعب من الصينية والروسية والفرنسية، فلماذا لم يستعض أصحاب تلك اللغات بلغات "أسهل"؟
إن مشكلة اللغة تكمن في "عقدة الخواجات" التي نعيشها، والتي جعلتنا نستهين بلغتنا وثقافتنا ونستحي منهما أمام الثقافات الغربية، فترى حتى من يختار اللغة العربية كلغة هاتفه النقال قد أصبح محط تعجب -واحيانا سخرية- الكثير من من حوله من العرب. وهذا الشعور الضمني بالدونية هو ما جعلنا نهمل لغتنا ونعتبر أن العلم والجهل بها سيان. بدأنا بلوم اللغة على جعلنا نهجرها، بينما هي لغة متميزة بمرونة وبلاغة جعلا رب العالمين يختارها لغة القرآن، معجزة محمد للناس أجمعين. وإذا لم تتغير هذه النظرة، فلا يتوقعن أحد منا نحن العرب بأن حضارتنا وثقافتنا العربية ستكون بين الحضارات والثقافات العظمى في العالم أو تعود لأمجاد الماضي، مهما شيدنا من صروح ومبان وجملنا من صورتنا في عيون غيرنا.
سمعت مرة قصة من أمين عام مجمع اللغة العربية في القاهرة الأستاذ فاروق شوشة، قال فيها أنه مرة كان يلقي كلمة بالعربية الفصحى في إحدى الجامعات في دولة عربية، فسمع ضحكا بين صفوف الطلاب، وعندما سأل عن سبب هذا الضحك، جاوبه أحد الطلاب "لأنك تتحدث بلغة ميكي ماوس".. !
لربما ما نشاهده ونعايشه من تراجع وانكفاء للغة القرآن ولغة تعتبر الحاضن والوعاء والحافظ لامجاد امة كانت (خير امة اخرجت للناس )- بما لديها من فتوحات وانتصارات وعلوم كانت تدَرس في زمن ما وبنفس تلك اللغة وعلى مساحة جغرافية تمتد من الصين الى الاندلس- يعود الى ان المهزوم دوما يتبنى وبكثير من الشعور بالدونيه والضآلة ثقافة المنتصر , ونحن كعرب ادمنا شعور الهزيمة والانكفاء والتراجع واستمتعنا بممارسة ثقافة جلد الذات تحت شعارات غريبة وليست بريئة اطلاقا من الفهم الخاطئ للتسامح الى عدم الثقة بالقدرات الذاتية الى التشكيك بالتاريخ الى الاعتماد على دراسات المستشرقين الذين لم يكونوا يوما في وضع منصف واخيرا الى الهوان الاقتصادي والامني الذين جعلوا بلادنا بما لديها من مقدرات هي محميات لدول استعمارية وسوق تصريف لمنتجاتها ......د. سمير ابراهيم حسن
ردحذفاتفق معك في جل ما تحدثتي عنه
ردحذفوقد قرأت بحثا عن انقراض اللغات
وكان يتحدث عن انقراض اللغة العربيه خلال ما لا يتجاوز 100 عام
ولا يوجد اي رابط بين قوله تعالى انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون وبين اللغه العربيه ... فالفرس والهنود والباكستانيون وكذلك الاسبان لا يتحدثون اللغة العربيه ولكنهم يحفظون كتاب الله
كم اتمنى ان لا تختفي لغة احببناها وساهمنا ولو جزئيا في اغتيالها